الواحة

عريس ندى

وضعت "ندى" يديها على ترابيزين السلم لتصعد درجاته بخطوات منهكة ، بطيئة بعد عناء يوم عمل طويل فى المدرسة .... من تدريس مع دوشة تلاميذ وطلبات لا تنتهى وزحام أصوات طوال النهار مع تصحيح تلال من الكشاكيل وفك طلاسم خطوط عجيبة وغريبة لدرجة توقفها كثير من الأحيان لتفك ألغاز الخطوط وتقول هو قصده كده !!! ويمكن قصده كده !!!... ولأن ندى خطها جميل منسق ومقروء جيدا وكانت تستغرب من أساتذة كلية الأداب قسم إنجليزى وهم يتوعدوا الطلبه "اللى مش هيكتب ويحل الإمتحان بخط نقدر نقراه مش هنبص فى ورقته !!" ....وكانت أحلامها وردية ككل شباب وفتيات الجامعة بتحلم بالحصول على وظيفة مرموقة بعد أن تنهى دراستها بتفوق …... وكان كل حلمها أن تعمل فى مجال الترجمة الفورية فى وسائل الإعلام المختلفة …... وأخذت تبحث إلى أن أنهكها البحث وأصطدمت بالواقع المرير وهى تشاهد وتقرأ أن حملة الدكتوراه يطالبوا بحقهم فى الحصول على وظيفة ….... ورضخت ندى وقبلت با?مر الواقع والإلتحاق بإحدى مدارس اللغات لتدريس اللغة الإنجليزية للمرحلة الإبتدائية .... وراعت ضميرها فى توصيل المادة بأيسر الطرق للتلاميذ إلا إنها لجأت إلى إعطاء الدروس الخصوصية لضعف مرتبها والذى ? يتعدى 700 جنيه وفى نفس الوقت إقبال الطلبة على الدروس ?نها مادة رئيسية فى هذه المدارس …..وما أن فتحت ندى باب شقتها لمحت أمها وأبيها فى غرفة الجلوس يتبادلوا الحديث وهم يشاهدون التليفزيون فأتجهت نحوهم وجلست على أحد الكراسى لتلتقط أنفاسها وقد قاربت الساعة من التاسعة مساءً وبنظرة عابرة أحست بشىء ما يريدون قوله … أنت بتتعبى نفسك قوى ، كفاية درس ولاً اتنين فى اليوم … ردت ندى : هو أنا فى حياتى أيه غير الشغل وفي ا?خر هو دخل وفلوس جايه أرفضها أزاي ؟! … وأنت عارف يا بابا أحنا فى نهاية السنة وهرتاح إن شاء الله فى الإجازة …. فأشارت ا?م بيديها رافضه كلام ندى كل ده مش مهم وأكملت كلامها بنبرة أكثر حدة شغل أيه وزفت أيه اللى بتتكلموا عليه … فرد ا?ب بصوت أكثر حنانا وهدوءاً أنتى عارفه ا?ستاذ ياسين جارنا اللى فى العمارة قصدنا ، وقفنى وسألنى عليكى عشان جايب عريس ….... وهو أبن واحد من معارفه ، محاسب فى الكويت ونازل أجازة وهيسافر تانى وأنا أتفقت معاه على بكره الخميس وربنا يوفق المره ديه !! ولم تنطق ندى بكلمة واحدة وظلت صامته إلى أن أغلقت باب غرفتها شاردة الذهن حزينة تسأل نفسها أيه ياندى ؟؟ المفروض تفرحى … عريس ده وله مش عريس … وتستلقى على سريرها وتقول أزاى أفرح ؟! .. أنا متأكدة من غير ما شوفه أنه زى غيره وأنا دلوقت فى أوائل الثلاثينات وكله شكل واحد .
وبقالى على كده كام سنه ….. وكل همى أن الرفض
يكون منه !!! … ياه لو حصل كده هتكون مصيبة وحلت بالبيت …. ومش هخلص من
اللوم والعتاب وكأنى السبب ومسئوله عن رأى ا?خرين فيا …. وسنة ورا سنه والعمر
بيجرى …. وتوقفت عن التفكير برهة وبلعت ريقها الذى جف من قسوة التعامل مع الضغط النفسى التى تعانيه على الدوام ... أن يتحمل قدره ونصيبه فى الحياه ولكن دون تبكيت وتأنيب وهمزات وغمزات عند حضورها أفراح العائلة … عقبالك ياندى ، مش هنفرح بيكى ، حد فى السكه ... عبارات تسمعها من كل الناس والموضوع بقى محرج وا?كثر إحرجا أن تكون العروس من سنوات قليله كانت واحدة من أطفال العائلة …... وأتعقدت ندى خلاص من حضور هذه المناسبات حتى لو كان المبرر هو الخوف عليها والقلق على مستقبلها والأطمئنان عليها والذى أنحصر كل ذلك فى مجرد الزواج ومش مهم أى حاجه تانيه
وأجبرت ندى نفسها على النوم هربا من الأفكار التى تلاحقها ولن تتركها إلا مع ساعات الصباح …. وقامت ندى لتلحق بمدرستها وفور وصولها للمدرسة بحثت عن الطلبة المشتركين فى الدروس الخصوصية لتعتذر وتلغى درس اليوم …. وعادت ندى للبيت وهى حاملة جاتوه لضيوف المساء …... وقامت بحملة نظافة وتلميع لغرفة الصالون والسفرة وفى نفس الوقت جهزت ا?م كافة المشروبات المطلوبة بعد أن أحضرها لها إبنها الصغير ….. وحان موعد وصول العريس وأقتربت ا?م من ندى وهى تكمل هندمها : وتفحصتها جيداً …. هو مفيش عندك غير الطقم ده تلبيسه ….. ندى : ماله الطقم !!! مش كان عجبك قبل كده …. وأمسكت ندى بطقم أخر : ده أحسن ؟ ...الأم : هو كل لبسك زى بعضه ...كله غامق وبيضلمك !! وأكملت ووشك باهت حاولى داريه وحطى مكياج كويس تنوره شويه ….... وأقتربت ندى من المرآه لتتأمل وجهها لترى ثنيات فى الجلد حول العين والفم وها?ت سوداء … علامات تقدم العمر وظهور التجاعيد وفقد النضارة وحيوية الشباب ….. ياه ...كل ده ?زم أشوفه النهارده … فين ندى بتاعة زمان ؟ فين الجمال والشياكة ؟ وأكملت ندى وهى تحدث نفسها .. طبعاً كل ده من الطاحونة اللى أنا فيها صحيان بدرى كل يوم وأرجع بالليل واللف من درس هنا ودرس هناك والمواصلات وزحمتها وتعب الشغل فى المدرسة …. كل ده ?زم يأثر ؟! ….. ? مش ده السبب .. الحالة اللى أنا فيها وبقيت حسساسه زياده عن اللزوم والبيت عندى بدل مايساندونى بيعاملونى كأنى أنا المسئوله … أنا عارفه إن ده من قلقهم عليا … بس أنا حزينة ومحبطة وبفقد الثقة فى نفسى يوم ورا يوم …. يارب يكون العريس كويس ويخيب ظنى المره ديه
ورن جرس الباب إيذاناً بوصول العريس ومعه والديه وجار ندى ا?ستاذ ياسين ، وبعد التعارف والترحيب والسلامات …. سمعت ندى خطوات أمها وهى تقترب منها وتناديها تعالى سلمى على الناس وأقعدى … ولم تعطى ا?م فرصة لندى لتسألها عن رأيها … وخرجت ندى وراء أمها بخطوات بطئية يكسوها الخجل وا?ضطراب وكأنها بنت العشرين ولم تجابه هذا الموقف مرات عديدة …. وسلمت ندى عليهم وجلست فى ركن بعيدا نوع ما …. لم تتحقق من ملامح أحد مع أحساس ? يفارقها أن الكل ينظر لها … بل يتفحصها دون خجل أو مواربة …. وأنقذها صوت العريس وهو يوجه لها ا?سئلة أتخرجتى من جامعة القاهرة ولآعين شمس ؟ وأتخرجتى سنة كام ؟ أصل أنا خريج جامعة . . . . وندى مش عارفه ترد بصوتها العالى والذى أكتسبته بعد دخولها مجال التدريس أو تصطنع الرقة والهدوء والتحدث بصوت خفيض … تاهت ندى وحست لو حد مسكها هتكون حرارتها فوق ا?ربعين …. وحاولت أخيراً أن تنظر إليه وهو يحدثها ...بل أطالت النظر جيدا … رجل ممتلىء الجسم ، واضح أنها أطول منه بكثير وذلك لقصر قامته الملحوظ ولم يتبقى فى رأسه غير عدد من الشعيرات يكسوها البياض … وقد أقترب من آواخر الأربعينات... يتحدث عن نفسه كيف إستطاع أن يفوز بالسفر للكويت وسط ا?ف من المتقدمين وسافر لسنوات طويلة ?نه ? يوجد ما يشجع للرجوع ? وظيفة و? زوجة … وأستمر فى حديثة عن تجربة له سابقة فى الإرتباط ؟! وهنا حدثت الصدمة اللى ندى عامله حسابها ومتوقعاها …. له تجربة زواج سابقة ولم تستمر غير عدة شهور أنتهت بالطلاق ووجود أبن له ? يراه إ? فى المناسبات ده طبعاً حسب كلامه وعايش مع أمه …..
. وأكمل حواره عن نفسه وكأنه يقدم نفسه إنسان خالى من العيوب وصاحب مميزات عديدة ? تعد و? تحصى وإنتهت جلسة الإستماع الطويلة جداً التى قدم العريس فيها نفسه ….. وطبعا من طول اللقاء يفهم على طول بموافقة العريس على العروسة ، ووضع ا?ب يديه على كتف ندى محتضنها وقال وهو يبتسم بحنان أية رأيك يا ست البنات فى العريس ؟!! ضحكت ندى وردت أيه رأيك أنت يا بابا !! وقاطعتهما ا?م أقعدوا أنتو دلعو فى بعض ماله العريس ؟ .. ماله ما زى الفل .. وعلى العموم يا ندى ياحبيبتى أحنا عمرنا ما نغصبك على حد و?زم لما إن شاء الله تتجوزى تكونى أنتى مقتنعة به …وكل إللى نفسنا فيه إن نشوفك عروسه … واللى يجيله عريس أحسن من مفيش ، صحيح دلوقتى كل فين وفين لما يجى واحد …. وبتنهيده تكمل لسه لسه ياحبيبتى نصيبك مجاش
. - عوامل كثيرة تدخل فى معادلة الزواج وتكوين أسرة سعيدة وأطفال أصحاء نفسيا علينا أولا أن نختار الشريك ليس الأحسن والأفضل بالنسبة لنا ولكن نختار دائما ؛الشريك المناسب لنا من الناحية الإجتماعية أى المناسب فى المستوى الطبقى والثقافى والتعليمى ومناسب من الناحية المادية ومناسب فى الحالة الإجتماعية بمعنى أن المطلق ولديه أطفال يبحث عما يماثل حالته والذى تقدم به العمر ? يبحث عن فتاة فى العشرين بل يناسبه عما تقترب من عمره وهكذا.... ندى زى أى بنت كانت أحلامها بعد التخرج من الجامعة تشتغل وترتبط وتتجوز .. مشكلة ندى إنها لم تجد المناسب لها وكان نفسها زى أى بنت فى أطفال يملوا حياتها … يشدها صورة ا?م وهى تداعب طفلها وهى تحمله بين ذراعيها … وتقرأ أخبار وحكايات عن أزمة الزواج فى مصر وأن عدد الفتيات فوق الـ 25 عاما ولم يتزوجو 5 مليون فتاه ،لأسباب غير معروفة أصبحت ظاهرة ومشكلة إجتماعية خطيرة ? تجد الإهتمام الكافى من الدولة بالتيسير على الشباب بالحصول على سكن لمتوسطى الدخل ….. وإن كانت الدولة قد بدأت فى تنفيذ مشروعات الإسكان الإجتماعى للشباب فى كل المحافظات للقضاء على تأخر سن الزواج بين الشباب لعدم توافر مسكن ملائم لإمكانياتهم .... وقد تزوج أباءنا فى سن صغيرة وكانوا من الطبقة المتوسطة وأصبحنا ا?ن نرى شباب فى أواخر الثلاثينات ولم يتزوجوا … مع العلم أخر إحصائية فى مصر أن عدد الرجال يقترب جداً من عدد النساء !!!!!! فكيف جاءت المشكلة ولما نرى ندى وغيرها غير متزوجات ولنعلم أن
السعادة سهل تحقيقها بأبسط ا?شياء
ولكن فى نفس الوقت صعبة المنال إذا فات أوانها كان شعوراً طيبا وإيجابيا من الأستاذ ياسين أن يحاول أن يساعد إبنة جاره ، ومن يستطع أن يكون عونا للأخرين فليفعل ولا ينتظر .... وعلى المجتمع أن يترك ندى تعيش كيفما ووقتما تشاء وألا نذكر الفتاه طوال الوقت أن شئيا ما ينقصها مما يؤثر عليها معنويا ونفسيا … الفتاة دائما تنتظر من يأتى لها ومن الجائز تأخرها فى الزواج … لعدم وجود المناسب لها ، وعلينا كمجتمع أن نساعد ندى التى قد تكون شقيقتك أو إبنتك أو زميلتك فى العمل أو جارتك أو قريبة لك … وإذا فعلنا ذلك أكيد هنقضى على هذه الظاهرة نهائيا
الهام المليجى